من التحقيق في شبهات التدخل الأجنبي إلى المطالبة باعتقال قادة الأحزاب العربية، يكشف التصعيد الذي أعقب الانتخابات الإسرائيلية سؤالاً يتجاوز تشكيل الحكومة: هل تُقبل المشاركة العربية عندما تتحول إلى قوة مؤثرة في موازين السلطة؟
لم تكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة مجرد أرقام أُضيفت إلى سجل المنافسة الحزبية، بل أعادت رسم موازين القوة داخل الكنيست، ووضعت الأحزاب العربية في موقع سياسي يصعب تجاهله. فقد حصلت القائمتان العربيتان على 19 مقعداً، توزعت بين 11 مقعداً للقائمة المشتركة و8 للقائمة الموحدة، في وقت لم يتمكن فيه أي من المعسكرين من حسم أغلبية الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة.
هذه النتيجة جعلت الصوت العربي عاملاً مؤثراً في الحسابات السياسية، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام تصعيد تجاوز حدود التنافس الانتخابي إلى التشكيك في شرعية هذا التأثير.
فقد وجّه رئيس لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، القاضي نوعام سولبرغ، رسالة إلى رئيس جهاز الشاباك دافيد زيني، طالباً التحقيق في شبهات تتعلق بتمويل أجنبي ومحاولات تأثير غير مشروع على العملية الانتخابية لصالح الأحزاب العربية. وسرعان ما تحولت هذه الخطوة إلى مادة للتصعيد السياسي، مع مطالبة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير باعتقال رؤساء القوائم العربية والمشتبه بهم إذا توافرت أسس قانونية، فيما دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى التحقيق مع قادة الأحزاب العربية، وذهب حزب الليكود إلى وصف ما جرى بأنه محاولة للاستيلاء على الكنيست.
من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على التحقيق في أي شبهة تتعلق بتمويل الانتخابات أو التدخل الخارجي، إذا استند إلى أدلة وإجراءات قانونية واضحة. فحماية نزاهة العملية الديمقراطية مسؤولية مؤسسات الدولة، ولا ينبغي أن تكون أي قائمة أو جهة سياسية فوق القانون.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الشبهة إلى خطاب اتهام سياسي قبل ظهور نتائج التحقيق، أو عندما تُستخدم المطالبات بالعقاب والاعتقال لتشكيل انطباع عام بالإدانة. فهناك فرق جوهري بين التحقيق في مخالفة محتملة وبين التعامل مع نتائج الانتخابات وكأنها موضع اشتباه لمجرد أن مخرجاتها لم تخدم حسابات بعض القوى السياسية.
19 مقعداً غيّرت الحسابات
تكمن أهمية المقاعد التسعة عشر في أنها لم تعد مجرد تمثيل برلماني للأقلية العربية، بل أصبحت جزءاً مؤثراً في معادلة تشكيل الحكومة. فمعسكر نتنياهو، وفق الأرقام المتداولة، يمتلك 53 مقعداً، فيما يمتلك المعسكر المعارض 48، بينما تحتفظ الأحزاب العربية بكتلة من 19 مقعداً تجعلها رقماً حاسماً في أي حسابات ائتلافية.
وهنا يظهر السؤال السياسي الأهم: هل تكمن المشكلة في احتمال تأثير الأحزاب العربية على تشكيل الحكومة، أم في أن هذا التأثير أصبح واقعاً لا تستطيع القوى التقليدية تجاوزه؟
إن حق المواطنين العرب في التصويت والترشح والتمثيل البرلماني ليس امتيازاً تمنحه الأحزاب الإسرائيلية، ولا ينبغي أن يتوقف على مدى قبولها بنتائج الصندوق. فالمشاركة السياسية حق دستوري وقانوني، ولا تفقد مشروعيتها عندما تنتج عنها موازين قوة لا ترضي هذا المعسكر أو ذاك.
المعارضة أيضاً أمام اختبار الشراكة
لا يقتصر الاختبار على اليمين الإسرائيلي، بل يمتد إلى قوى المعارضة التي تجد نفسها أمام سؤال عملي: هل تنظر إلى الأحزاب العربية باعتبارها شريكاً سياسياً يمكن التعامل معه وفق قواعد المصالح والبرامج، أم باعتبارها أصواتاً مطلوبة لإسقاط نتنياهو، ثم تصبح موضع تحفظ عندما يحين وقت الاعتراف بدورها؟
إن التعامل مع التمثيل العربي بمنطق الحاجة الانتخابية المؤقتة يضعف فكرة الشراكة السياسية، ويجعل المشاركة مرهونة بحسابات الآخرين لا بإرادة الناخبين أنفسهم.
الشاباك ليس طرفاً في تشكيل الحكومة
من المهم أيضاً الحفاظ على الفصل بين دور المؤسسات الأمنية ودور المؤسسات السياسية. فالشاباك معني بالتحقيق في التهديدات والمخالفات التي تدخل ضمن صلاحياته، وليس طرفاً في تحديد من يشارك في الحكومة أو من يحق له التأثير في تشكيلها.
وأي تحقيق يجب أن يبقى محكوماً بالأدلة والإجراءات القانونية، بعيداً عن الضغوط الحزبية أو التوظيف الانتخابي. كما أن التحذيرات من استغلال الملف لتعطيل أداء الكنيست السادسة والعشرين أو التشكيك المسبق في شرعية ممثلي الجمهور تستدعي التعامل مع القضية بحذر ومسؤولية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن حزب أو قائمة بعينها، ولا بمنح أي جهة حصانة من المساءلة، بل بالدفاع عن مبدأ أساسي: لا يجوز أن تتحول نتائج الانتخابات إلى موضع تشكيك لمجرد أنها منحت قوة سياسية وزناً لا يرغب فيه خصومها.
فالديمقراطية لا تُختبر عندما يفوز من نؤيده، بل عندما يمنح صندوق الاقتراع وزناً لمن نختلف معه. وإذا كان صوت المواطن العربي مقبولاً حين يكون محدود التأثير، ثم يصبح موضع اتهام عندما يقترب من صناعة القرار، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بنتائج الانتخابات وحدها، بل بحدود الاعتراف بالمواطنة والمساواة السياسية داخل النظام الإسرائيلي.ناجي
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




