الكلام
تسألني حبيبتي وهي تبتسم بمكر
لماذا حين نكون معا
تصير رجلا آخر ؟
لماذا تخونك الكلمات
وتضيع منك الحروف
وتجلس أمامي كمحارب أنهكته الحروب
واخترقت صدره السيوف والرماح
فلم يبق في جسده موضع لجرح جديد ؟
لماذا تبدو كطائر نسي الطيران
كقصيدة أضاع شاعرها وزنها
كعاشق باغتته امرأة
لم يكن يعرف أنها ستاتي يوما
وتعلن احتلاله ؟
لماذا أنت كثير التأمل
قليل الكلام ؟
أين اختفت بلاغتك؟
أين ذهبت قصائدك ؟
وأين ذلك الرجل الذي يزلزل الدنيا
بجملة واحدة ويربك النساء
ببيت من الغرام ؟
فأقول لها :
رويدك يا حلوتي الجميلة
لا تفتحي محضر التحقيق
ولا تستدعي شهود اللغة
فأنا أمامك لست شاعرا
ولا فيلسوفا ولا فارسا
يتباهى بانتصاراته
أنا رجل
أصابته عيناك في مقتل !
أنا الذي كنت أحسن الكلام
حتى ظننت أن الحروف خلقت لي
وأن القصائد لا تخرج
إلا من بين أصابعي
حتى جئت أنت
فأدركت أن هناك نساء
لا يقرأن الشعر فحسب
بل يجعلن الشاعر نفسه
أبجدية مرتبكة
وحبرا يفيض
ولا يعرف ماذا يكتب !
يا حبيبتي
كلماتك أجمل من الأحلام
وصوتك موسيقى
تربك قوانين الانسجام
وفي ضحكتك شيء
يجعل القلب يخلع معطف الوقار
ويخرج إلى الشوارع
راكضا كالمجنون
لا يعرف إلى أين يذهب
ولا لماذا يبتسم
في عز الزحام !
وحين تقتربين مني
تتلعثم في داخلي اللغات
وتستقيل من رأسي البلاغة
وتتبعثر المعاجم
كأوراق الخريف
وأشعر أنني أحتاج إلى لغة جديدة
لغة لا تعرفها الأكاديميات
ولا تشرحها كتب النحو
ولا يستطيع سيبويه
أن يضبط حركاتها
حين تهمسين باسمي !
فكيف أتكلم
وعيناك تحدقان في ؟
كيف أرتب أفكاري
وأنت تبعثرها ابتسامة واحدة ؟
كيف أكتب قصيدة
وأنت القصيدة كلها
وأنت السؤال الذي لا جواب له
وأنت الجواب الذي
كلما اقتربت منه
ازداد السؤال اشتعالا ؟
يا امرأة
تدخل إلى المكان
فيتغير ترتيب الهواء
وتصير المقاعد أكثر أناقة
والنوافذ أكثر اتساعا
حتى الساعة المعلقة على الجدار
تنسى واجبها وتتوقف قليلا
لتتأملك معي !
ماذا تريدين من رجل
حين تجلسين أمامه
بكل هذا الجمال ؟
أن يتحدث عن الطقس ؟
عن السياسة ؟
عن تاريخ الحروب ؟
أم أن يشرح لك
كيف استطاعت امرأة واحدة
أن تهزم جيشا من الكلمات
وأن تسقط شاعرا
كان يظن نفسه
آخر حصون الكبرياء ؟
أنا لا أصمت لأنني ضعيف
ولا لأن الكلام نفد من شفتي
ولكن لأن في حضورك
فتنة لا تقاوم
ولأن بعض النساء
لا يجوز في حضرتهن أن نكثر من الكلام
يكفي أن ننظر إليهن
أن نصغي إلى ضحكاتهن
أن نترك للعيون ما تعجز عنه الخطب
وللصمت ما لا تستطيع أن تقوله القصائد
ومع ذلك لا تظني أن صمتي
علامة سلام !
فأنا يا سيدتي
حين أصمت أمامك
تقوم في داخلي ألف ثورة
وتتمرد في صدري ألف قصيدة
وتخلع الكلمات أثوابها القديمة
وترقص الحروف على إيقاع اسمك
وتصعد في دمي أغان لا يسمعها أحد
إلا أنا
أنا الذي أبد و أمامك هادئا كبحيرة
وفي أعماقي عاصفة
أخفي خلف ابتسامتي
جيشا من الاعترافات
وأخبئ تحت لساني
كلاما لو أطللته لاحمر وجه الليل
ولأغلقت النجوم نوافذها
خجل من ضوء الحكاية !
أريد أن أقول لك
إن حضورك يربكني
وأن غيابك يحاسبني
وأن اسمك حين يمر بخاطري
يتحول إلى أغنية
وأنني كلما حاولت
أن أبد و رجلا عاقلا أمامك
جاءت ابتسامتك
فأعادتني إلى بدايات الجنون !
أريد أن أقول لك
إنني لا أخاف من الحب
لكنني أخاف من امرأة
تجعلني أحبه
إلى هذا الحد من الجنون !
امرأة تجعلني
أراجع تاريخي العاطفي كله
وأشك في كل انتصار قديم
وأكتشف أن ما حسبته حبا
كان مجرد تدريب طويل
وأنني لم أكن عاشقا حقا
إلا حين وقفت أمامك
وعجزت عن قول أحبك
يا للمفارقة العجيبة !
الشاعر الذي يكتب عن الحب
يعجز عن نطق كلمة
والرجل الذي يشرح للناس
أسرار العشق
يحتاج إلى من يشرح له
كيف ينجو من عينيك !
فلا تسأليني بعد اليوم
لماذا أقل الكلام حين نكون معا
اسأليني فقط لماذا أعود إلى البيت
وأكتب عنك حتى الفجر ؟
لماذا أستعيد ضحكتك
كما يستعيد المنفي
رائحة وطنه ؟
ولماذا أفتح أوراقي البيضاء
فأجد اسمك قد سبقني إليها
وجلس في صدر الصفحة
كأنه صاحب الدار
وكأنني أنا مجرد ضيف
جاء ليكتب عنه ؟
ذلك لأنني يا حبيبتي
حين أكون بعيدا عنك
أمتلك اللغة
وحين أكون بين يديك
أمتلكك في قلبي
فأخسر اللغة
ولا أريد استردادها !
فليضحك العقلاء من صمتي
وليقل عني أصدقائي
إنني كبرت على هذا الجنون
ولتتهمني الحروف
بالتخلي عن واجباتها
لا يعنيني شيء من ذلك
يكفيني أن تجلسي أمامي
أن تبتسمي
أن تسأليني السؤال نفسه
وأن أظل في كل مرة
ذلك الرجل الذي ينسى الكلام
حين تتكلم عيناك
فأنا شاعر نعم
لكنني أمامك
لست شاعرا فحسب
أنا عاشق
تأخر في اكتشاف الحقيقة
واكتشفها متأخرا
أن بعض النساء
لا نكتبهن في القصائد
بل يكتبننا نحن
على صفحات أعمارنا
وأن بعض العيون
لا تحتاج إلى قصيدة
كي تقول اقترب
وأن بعض الصمت
ليس عجزا عن الكلام
بل هو الكلام
حين يصبح أكبر من الشفتين
فإذا سألتني غدا لماذا لا تتكلم
حين أكون معك ؟
سأقترب قليلا
وأبتسم ابتسامة رجل
لم يعد يخشى انكشاف أسراره
ثم أقول لك لأنني حين أكون بعيدا عنك
أكتب ما أشاء
وحين أكون بين يديك
لا أريد أن أكتب قصيدة عن الحب
أريد أن أكون
أنا القصيدة التي تقرئينها
بقلبك
وتحفظينها بنبدك
ولا تنتهين منها
مهما طال الليل !
من ديوان ـ الحب والحرب
للشاعر الجزائري محمد دعدي
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.



