من ديوان (الحب والحرب) للشاعر الجزائري محمد دعدي .. لا تقتربي أكثر

من ديوان الحب والحرب

لا تقتربي أكثر
فما زال بيني وبينك
شيء من العقل
شيء من الخوف
شيء من كبرياء الرجال
وما إن تلمسيه
حتى يفر الرجال من الرجل
وتخرج من جلدي
حرائق لا تعرف الاعتذار

لا تقتربي أكثر
فإن يدي إذا لامست يديك
تخلعان عن العالمِ أسماءه
ويصير البحر كأسا
وتصير السماء سريرا
ويصبح هذا المساءُ
فضيحة وردة
حين يراها الندى
عارية في انتظار النهار

أنا لست رجلا يجيد السلامة
ولا شاعرا يكتب الحب
ثم يعود إلى بيته
كأن القصيدة لم تفتح النار
أنا رجل إذا أحب
تكسرت الساعات في معصميه
وضاع الطريق إلى الله
بين ارتجاف الشفاه
وبين ارتباك القرار

فلا تقتربي أكثر
ففي داخلي ذئب
تعلم من الورد كيف يكون جميلا
ومن الليل كيف يكون خطيرا
ومن النساء كيف يموت الرجال
دون أن تسيل الدماء

وفي داخلي راهب
كلما هم أن يستغفر الله منك
رآك على هيئة الضوء
فأغلق كتاب التوبة
وأشعل في صومعته
شموع انتظار

يا امرأة
كلما مر اسمها في دمي
توضأ قلبي بماء الخطيئة
ثم عاد إلى الله
مبللا بالعطر
محملا بالأسئلة الكبيرة
ومرتبكا كطفل صغير
رأى في يديك
مفاتيح الجنة والنار

لا تقولي أحبك
فالحب كلمة
قد ينجو منها الجبناء
أما أنا
فأريد اعترافا
لا تستطيع الشفاه التراجع عنه
ولا يستطيع الصباح
أن يمحوه عن وجه المساء

قوليها بصمتك
بذلك الاقتراب الذي
يجعل المسافة بيننا
أضيق من سر دفين
وأوسع من مجرة
ويجعلني أرتاب في يدي
أهذه يداي ؟
أم جناحان يحاولان
الفرار من جاذبية امرأة ؟

قوليها بعينيك
حين تسرق إحداهما هدوئي
وتتولى الأخرى
إحراق ما تبقى من وقاري
فأنا لا أخاف امرأة جميلة
بل أخاف امرأة
تعرف أين تضع نظرتها
وكيف تترك الرجل
يخسر معركته
ثم يشكرها على الانتصار

يا سيدتي
في جسدي مدن لم تدخليها
وشوارع من القبلات المؤجلة
وشرفات تنتظر عطرك
وأبواب إذا طرقتها
لن يسأل الحارس
عن اسمك أو عن جواز السفر

في داخلي ألف قصيدة
تخلع أثواب الاستعارة
كلما مر طيفك
وألف حصان من الجنون
يضرب الأرض بحوافره
ويريد أن يخرج من صدري
إلى مرافئ نهديك
إلى دفء عنقك
إلى تلك المسافة
التي يرتبك الشعراء
حين يحاولون وصفها
دون أن يفضحوا الأسرار

فلا تقتربي أكثر
فأنا لا أضمن هذا الشاعر
إذا صار عطرك
أقرب من أفكاره
ولا أضمن هذا العقل
إذا نامت عيناك
على حافة الليل
ولا أضمن هذا القلب
إذا قلت : تعالي
فقد يجيء إليك
بكل ما فيه من حب
وما فيه من جنون
وما خبأه العمر
من خيبات وانتصار

لا تنزعي عني ثوبي
فليس الثوب ما أخشاه
بل تلك الحقيقة
التي تظهر حين يسقطُ
آخر قناع عن الروح
وحين يصبح الرجل
أصدق من دمعه
وأضعف من شهقته
وأعجز من أن يخفي
كم كان ينتظر امرأة
تقرأ ما وراء الجدار

ولكن
إن كنت تريدين الحقيقة
فلا ترتدي أمامي
ثوب الملائكة كله
ولا تدعي أنك
لم تعرفي يوما
كيف يشتعل الصمت
بين امرأة ورجل
وكيف يصير التمنع
لغة أخرى للاعتذار
وكيف تكون خطوة واحدة
أبلغ من ألف اعتراف
وأخطر من ألف قرار

يا سيدتي
لنترك للنجوم مهمة الإنكار
وللوعاظ مهمة الكلام
وللشعراء مهمة اختراع الأسماء
لما يعجزون عن تفسيره
أما نحن يا جميلة العينين
فلنقف على حافة هذا المساء
لا ملائكة ندعي الطهر
ولا شياطين نتباهى بالانحدار
بل قلبين يعرفان
أن الرغبة قد تكون قصيدة
وأن القصيدة قد تكون اعترافا
وأن بعض النساء
إذا مررن في العمر
تركن وراءهن
ما لا تقدر عليه
الحروب ولا الأعمار

يا سيدتي
أنا آخر العشاق
الذين يكتبون بالدم
لكن دمي هذه المرة
لا يريد أن يكون حبرا
يريد أن يكون نهرا
يصل إلى ضفتك
ويغسل عن قلبي
غبار الرحيل والانتظار

فلا تقتربي أكثر
أو اقتربي حتى النهاية
فأنا تعبت من الوقوف
بين بابين :
باب أسميه نجاة
وباب أسميه هلاكا
وكلاهما يحمل اسمك
ويفضي إلى عينيك

اقتربي
ودعينا نكتشف
أينا سيخسر كبرياءه أولا
وأينا سيطلب من الآخر
أن يطيل البقاء

فقد أنفجر فيك
قصيدة لا تعرف الهدوء
أو صلاة لا تعرف الركوع
أو خطيئةمن فرطِ صدقها
يعجز عنها الغفران

فلا تقتربي أكثر
أو اقتربي

فأنا منذ رأيتك يا حلوتي
لم أعد أعرف
أين ينتهي العشق
وأين يبدأ الجنون.

 

من ديوان الحب_والحرب

محمد دعدي

كاتب جزائري

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى