عبد الله عبد العزيز يكتب .. ما بعد المجموع: لماذا يجب أن نكسر صنم الثانوية العامة في مصر؟

تحولت الثانوية العامة في مصر من مجرد مرحلة تعليمية انتقالية إلى ما يشبه “الشبح المجتمعي” العابر للأجيال، والذي يلتهم الاستقرار النفسي والمادي للملايين من الأسر في موعد ثابت من كل عام. ومع ماراثون الامتحانات للعام الدراسي الحالي، يزحف نحو 921 ألفاً و709 طلاب وطالبة إلى اللجان الامتحانية عبر ربوع الجمهورية، محملين بترسانة من التوقعات الأسرية الضاغطة، ومحاصرين بظروف نفسية بالغة التعقيد تفوق طاقاتهم الاستيعابية والبشرية.
إن هذا المشهد التكراري السنوي لم يعد يعكس شغفاً بالمعرفة أو رغبة حقيقية في بناء العقول، بل بات يجسد أزمة مجتمعية وثقافية أعمق، وهي إصرار منظومة متكاملة من الآباء والطلاب على عبادة “صنم المجموع الكلي”، وتجاهل الحقائق الاقتصادية والتكنولوجية الصارخة التي تؤكد أن قطار سوق العمل الحديث قد غادر محطة الشهادات التقليدية والتعليم التلقيني منذ زمن بعيد، ليبقى أبناؤنا أسرى نموذج تعليمي عتيق ينتمي لقرون مضت.
ويتجلى البعد الكارثي لهذا الشبح السنوي عند النظر إلى الأرقام الفلكية التي تلتهمها بورصة “الدروس الخصوصية” الشرسة، والتي تحولت إلى اقتصاد موازٍ غير رسمي يمتص دماء الطبقتين الوسطى والفقيرة في مصر؛ إذ تشير أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن إنفاق الأسر المصرية على الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية قد تجاوز حاجز 136 مليار جنيه سنوياً .
هذا الرقم المرعب لا يعكس بأي حال من الأحوال رغبة مجتمعية في نهل العلم أو تطوير المهارات الفكرية، بل يمثل في حقيقته “فدية” مالية واجتماعية تضطر العائلات لدفعها مكرهةً تحت وطأة الخوف من المجهول، وابتغاء شراء وهم اجتماعي يسمى “كلية قمة”. يقتطع أولياء الأمور هذه المليارات من قوت يومهم الأساسي، ومن حسابات صحتهم ومدخراتهم المستقبلية، لتمويل نظام تعليمي موازٍ يقوم بالكامل على الحفظ الأصم والتلقين السطحي، فقط ليصطدم الابن بعد تخرجه بطابور طويل من العاطلين عن العمل، حاملاً شهادة جامعية عاجزة تماماً عن تلبية أدنى متطلبات السوق الفعلي أو مواكبة وظائف المستقبل.
ولم تعد عبارة “تشبع سوق العمل وتراجع قيمة الشهادات” مجرد تحذير أكاديمي يطلقه خبراء الاقتصاد والتعليم في البرامج الحوارية، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى قرارات سيادية حاسمة وموجعة أعادت صياغة الخريطة الجامعية في مصر برمتها. وتشهد أروقة المجلس الأعلى للجامعات تحركات جذرية لإقرار توصيات حاسمة صادرة عن لجان القطاع الصحي، تتضمن خطة واضحة ومدروسة لخفض أعداد الطلاب المقبولين بكليات الطب البشري والتمريض والعلوم الصحية بنسبة 10%، بالتوازي مع تقليص حاد يصل إلى 20% في أعداد المقبولين بكليات طب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي. هذه التوجهات الهيكلية تأتي مدفوعة بمحدودية طاقات التدريب الإكلينيكي في المستشفيات الجامعية لتفادي أزمة تراجع جودة الخريجين، فضلاً عن التشبع التام الذي يعاني منه السوق المحلي في بعض هذه التخصصات.
ومع إعادة توزيع نسب القبول لتستحوذ الجامعات الحكومية على 60% من السعة الاستيعابية مقابل 40% للجامعات الخاصة والأهلية، يتبين بوضوح للأهالي أن الاستثمار العائلي الطاحن في “المجموع الطبي” التقليدي بات مقامرة اقتصادية غير مضمونة النتائج، وأن مفهوم “كليات القمة” يتآكل ويتلاشى بأمر الواقع والضرورة الاقتصادية للدولة.
إن الخروج من هذا النفق المظلم وتفكيك “العقدة المجتمعية” للثانوية العامة لا يتطلب منا اختراع العجلة من جديد، بل يستوجب النظر بجرأة وعمق إلى نماذج ودولية ملهمة نجحت في تحطيم “توابيت التعليم التقليدي” وتحقيق قفزات اقتصادية هائلة عبر تدمير فكرة الاختبار المصيري الأوحد. نرى ذلك بوضوح في التجربة الألمانية التي أسست نهضتها الصناعية على نظام “التعليم المزدوج” (Dual System)، والذي يقسم وقت الطالب بين تلقي العلوم النظرية في المدرسة والتطبيق العملي مدفوع الأجر داخل المصانع والشركات، مما جعل قيمة الفرد في المجتمع تُقاس بمهارته وإنتاجيته ومستوى إتقانه للحرفة لا بنوع شهادته الورقية. وبالمثل، نسف النموذج الفنلندي فكرة الامتحانات القومية الضاغطة والتصنيفات الطبقية للمدارس، معتمداً بدلاً من ذلك على التقييم التراكمي الفردي، واكتشاف الشغف مبكراً، ومنح المعلمين حرية واسعة لتطوير مواهب الطلاب. أما النهضة السنغافورية، فقد رفعت شعاراً ثورياً هو “تعلم أقل.. استوعب أكثر”، وحوّلت مدارسها إلى منصات تفاعلية لتعلم البرمجة، والذكاء الاصطناعي، وإتقان مهارات حل المشكلات المعقدة والتحليل النقدي التي يطلبها العالم اليوم.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن بقاء نظام “مكتب التنسيق الإلكتروني” بشكله الحالي في مصر يعُد الجريمة التنظيمية الحقيقية التي تُرتكب سنوياً في حق مستقبل الأجيال القادمة وفي حق التنمية المستدامة للوطن؛ إذ إن رهن مصير شاب أو فتاة بفارق “نصف درجة” أو كسر عشري في امتحان مدته 120 دقيقة، يخضع فيه الطالب لظروف متباينة من التوتر والضغط العصبي والنفسي، هو قمة العقم الإداري والتربوي. إن البديل الحتمي الذي لا يحتمل التأجيل يتطلب نسف هذا النظام المركزي العتيق واعتماد آلية تقييم شاملة وثلاثية الأبعاد: تبدأ أولاً بإلغاء التنسيق المركزي واستبداله باختبارات قبول تخصصية مستقلة وعادلة تجريها كل جامعة على حدة لقياس مهارات الاستيعاب والابتكار والجاهزية النفسية للتخصص. وثانياً، اعتماد “الملف التراكمي الشامل” (Portfolio) الذي يرصد أنشطة الطالب ومواهبه الرياضية والفنية وأبحاثه العلمية على مدار سنوات المرحلة الثانوية الثلاث، ليكون وزنه النسبي مكملاً لدرجات الاختبار المكتوب. وثالثاً، إطلاق حملة تثقيف وتوعية مجتمعية شاملة تقودها وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والتعليمية لتغيير المفهوم العام للشهادة، ولتدرك الأهالي أن لغات البرمجة، وعلوم البيانات، والأمن السيبراني، والتسويق الرقمي، والهندسة الحيوية، والصناعات الإبداعية هي “كليات القمة الحقيقية” في العصر الحالي، وليست التخصصات النظرية الراكدة التي تخرج عاطلين بمرتبة الشرف.
إن معطيات العصر الحالي تؤكد أن إقرار واقع جديد يبدأ من تفكيك النظرة التقليدية لمخرجات التعليم، والتوقف عن اعتبار المجموع الكلي للدرجات معياراً أوحد للنجاح أو الفشل المهني. إن سوق العمل الحديث يعيد صياغة شروطه بشكل متسارع، متجاوزاً قيمة الأطر الأكاديمية البحتة لصالح الكفاءة والقدرة على مواكبة التحول الرقمي. بناءً على ذلك، يصبح التغيير الثقافي للأسر المصرية ضرورة حتمية للتحول من ثقافة الحفظ والشهادات الجامعية غير المستغلة، إلى ثقافة اكتساب المهارات التنافسية وتطوير القدرة على الابتكار، لضمان دمج الأجيال الجديدة في قطاعات حيوية تلبي الاحتياجات الفعلية للاقتصاد والتنمية.

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى