أكتب من غزة، من مكانٍ أصبحت فيه الكلمات أثقل من أن تُقال بسهولة. هنا، لا تُقرأ المواقف السياسية بمعزل عن تفاصيل الحياة اليومية؛ فكل حديث عن الحرب يعني بيتاً ينتظر أهله، وكل حديث عن السلام يوقظ في الناس سؤالاً بسيطاً: متى يصبح هذا السلام حقيقة نعيشها، لا وعداً يتكرر على المنابر؟
لهذا توقفت أمام خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا باعتباره خطاباً سياسياً جديداً يضاف إلى عشرات المواقف الدولية بشأن فلسطين، وإنما لأنه تناول القضية من زاوية يعرفها الفلسطيني جيداً: لا يمكن التعامل مع ما يجري بوصفه أزمة عابرة أو أحداثاً منفصلة، بينما جذور الصراع ما تزال قائمة.
من غزة، تبدو هذه الفكرة شديدة الوضوح. فما نعيشه اليوم لا يمكن فصله عن عقود من الاحتلال والتهجير والاستيطان والعنف، ولا يمكن اختزال القضية الفلسطينية في مشهد إنساني طارئ يحتاج إلى مساعدات ثم ينتهي بانتهاء الحرب. المأساة الإنسانية لها أسباب سياسية، وإذا لم تُعالج الأسباب، ستبقى النتائج تتكرر.
ولذلك كان مهماً في الخطاب التأكيد على أن استمرار الصراع طوال هذه العقود ليس قدراً محتوماً، وأن المجتمع الدولي يملك أدوات للتعامل معه. المشكلة، كما يفهمها الفلسطيني من واقعه اليومي، ليست في نقص البيانات أو غياب المؤتمرات، وإنما في الفجوة بين ما يقال وما يُفعل.
في غزة، تعلمنا أن البيان لا يوقف القصف، وأن القرار الدولي لا يحمي المدني إذا بقي بلا آليات تنفيذ. ولهذا فإن الحديث عن حماية المدنيين وإنهاء المعاناة لا ينبغي أن يبقى في إطار اللغة الدبلوماسية، بل يجب أن يقترن بإرادة سياسية قادرة على تحويل المواقف إلى إجراءات.
ومن النقاط التي تحمل أهمية خاصة أيضاً التأكيد على أن غزة والضفة الغربية وحدة جغرافية وسياسية وإنسانية واحدة. هذه ليست مسألة تفصيلية بالنسبة للفلسطينيين؛ فمحاولات فصل الجغرافيا عن الجغرافيا لا تلغي وحدة القضية، ولا تستطيع أن تصنع حلاً دائماً. مستقبل فلسطين لا يمكن أن يُبنى على تجزئة شعبها أو التعامل مع كل جزء منها باعتباره ملفاً منفصلاً.
كما أن قضية اللاجئين لا تزال حاضرة في صميم القضية الفلسطينية. خلف كل حديث عن العودة ذاكرة عائلات وأماكن وحكايات انتقلت من جيل إلى آخر. ولهذا فإن الإبقاء على قضية اللاجئين وحقوقهم، بما فيها حق العودة والتعويض وفق قرارات الشرعية الدولية، يعني عدم السماح للزمن بأن يحول الحقوق إلى مجرد ذكرى.
والقدس بدورها ليست تفصيلاً في المشهد الفلسطيني. إنها في قلب القضية، بما تحمله من مكانة دينية ووطنية وتاريخية، وبما يرتبط بها من مسؤوليات تجاه مقدساتها الإسلامية والمسيحية. ومن هنا تأتي أهمية استمرار التأكيد على الحفاظ على وضعها التاريخي والقانوني.
وفي المقابل، فإن حديث الملك عن أمن الأردن ومصالحه الوطنية يوضح أن دعم السلام لا يعني تجاهل مصالح الدول وأمنها. فالأردن، كما يعبّر خطابه الرسمي، يريد السلام، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بحماية أمنه وحدوده ومصالح شعبه.
ومن غزة، لا أجد صعوبة في فهم أهمية هذا الموقف. الشعوب التي عاشت طويلاً بالقرب من مناطق الصراع تعرف أن الأمن والسلام ليسا فكرتين متناقضتين، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتجاهل أسباب النزاع، وإنما بمعالجتها.
ربما لهذا كان خطاب الملك يستحق التوقف عنده. لأنه أعاد وضع القضية في إطارها الأوسع: شعب يريد حريته، ولاجئون يتمسكون بحقوقهم، ومدينة لها مكانتها، وأرض تحتاج إلى حل سياسي عادل، ومجتمع دولي مطالب بأن يتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.
لكن من غزة، يبقى السؤال أكبر من الخطاب نفسه: ماذا سيفعل العالم بعد أن ينتهي التصفيق؟
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تصف المأساة، فقد عشناها بما يكفي. نحتاج إلى أن تتحول المواقف إلى حماية، والقرارات إلى واقع، والحديث عن السلام إلى مسار يقود فعلاً إلى العدالة.
نريد يوماً لا تكون فيه غزة مرادفاً للحرب، ولا فلسطين عنواناً دائماً للمأساة.
نريد أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه الفلسطيني أن يتحدث عن وطنه لا من خلف ركام الحرب، بل من أرض آمنة، حرة، مستقلة، تحفظ لأبنائها كرامتهم وحقهم في مستقبل طبيعي.
ومن هنا، من غزة، تبقى كلمة الحق مهمة.
لكن الأهم من أن تُقال الكلمة، أن تجد طريقها إلى الفعل.
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




