الشاعرة والأديبة التونسية هاجر الرّقيق تكتب .. مسامّات أمّي

أنا ٱمرأةٌ مُصابةٌ بعمى الألوان..
الكدماتُ الزّرقاء على جسدِ أمّي
رأيتُها رماديّةً كسِرْبٍ من العنادل..
ظننتُ أنّ أبي من شدّةِ حُبّه
يُكوّر قبضته كلَّ مساء
لأنّه يمسكُ عصفورًا داخلها
سيطلقه بعد قليل لينقرَ مسامّات أمّي..
كلّما خلعتْ أمّي فستانها لتنام،
انتظرتُ من الكدماتِ أن تطير،
لوّحتُ لها بأكوازٍ من القمح والشّعير
لأستدرجها خارج الغرفة،
لكنّ العنادل لم تغادرْ أبدًا جلد أمّي..
كانت تتكاثر وتبيض
بعددِ نوبات غضب أبي..
وكنتُ أنا طفلةً ساذجة تفرحُ بكلِّ شِجار
لأنّ ذلك يعني أنّ عندليبًا جديدًا
سيفقسُ من صراخ أمّي..
يرفعُ أبي يده في الهواء
مثل غصنِ شجرةٍ عالية،
يُطوّح بها يمينًا وشمالا
في مهبِّ رُجولته العاتية
فيسقط عصفورٌ من عنقِ أمّي
وآخرُ من أسفل بطنها
وفي مناقيرهم ٱستغاثةٌ مكبوتة..
كلُّ نساءِ الحيّ كنّ يُربّينَ العنادل كأمّي..
يُخفينها تحت أوراقِ فساتينهنَّ الوارفة
حتّى لا يُصوّبَ أحدهم نحوها
بُندقيّةَ أحكامه..
وأنا ٱمرأةٌ مُصابةٌ بعمى الألوان:
الشَّعر المنتوف رأيته عُشًّا،
والأصابع المُنتفخة رأيتها حَبًّا ناضجًا،
والعظام المنتصبةُ خوفًا
رأيتها قفصًا لم يُفْتَحْ بعد..
تروي لي أمّي كيف كان أبوها
يعود من صيده بغُرابٍ كلَّ مساء،
ولأنّ عمى الألوان مرضٌ مُتوارثٌ عنّا،
كانتْ تحتفظُ بريشهِ خلسة
لتخيطَ فُستان ليلة العمر حين تكبر..
أنا أيضًا أشبهُ أمّي،
أشبهُ كلَّ نساءِ الحيّ
اللّواتي ٱرتدينَ مصيدةً يوم زفافهنّ،
وأخلطُ بين الأسودِ والأبيض
كلّما نظرتُ لقلبِ أبي..

— هاجر الرّقيق
(اللّوحة للرسّامة الأمريكيّة Tracy Porter)

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى