من ديوان (الحب والحرب) الشاعر الجزائري محمد دعدي .. ليلة في واحة العاشقين

من ديوان (الحب والحرب)

ليلة في واحة العاشقين

 

تعالي
فقد طال الطريق بنا
وطال صمت المسافات
وأتعبنا الانتظارةوأرهقنا الحنين

تعالي لأخبرك
كم ليلة نمت فيها وأنا أضم وسادتي كأنها كتفك
وكم مرة أيقظني الفجر فمددت يدي إلى الفراغ
أبحث عن يدك فلا أجد سوى برد الغياب.

وكم مرة كتبت اسمك على زجاج نافذتي
ثم مسحته بأصابعي خوفا من أن يراه الحزن فيبكي معي.

وها أنت ذي الآن أمامي
لا صورة في هاتفي
ولا حلما يزورني في المنام
ولا حكاية أرويها للنجوم
بل امرأة من لحم ودفء
من عطر وأنفاس امرأة أحببتها
حتى صرت أخاف أن ألمسها كي لا أستيقظ من الحلم

اقتربت منك فارتبكت يداي
وتعثرت الكلمات في فمي
وكان بيننا من الشوق ما يكفي ليصنع نهرا
ومن الحنين ما يكفي ليعيد الربيع إلى صحراء
هرمت من الانتظار.

قلت لك : أأنت حقا هنا ؟
أم أن عينيّ من فرط ما اشتاقتا إليك تخترعان المعجزات ؟

فضحكت
وكانت ضحكتك أول مطر على أرضي القاحلة
وأول نافذة تفتحها الشمس في بيت مهجور .

ثم بكيت
وبكيت أنت أيضا
فلم أعرف أأمسح دموعك أم أتركها تنزل
كي تغسل أعوام الفراق عن وجهك الجميل

وضعت رأسي على صدرك
فسمعت قلبي يعتذر لقلبك
عن كل تلك الليالي التي نام فيها وحيدا.

وقلت : يا امرأة انتظرتها حتى صار الانتظار طبعا في دمي
كيف استطعت أن تظلي بعيدة كل هذا العمر
وأنا الذي كنت أراك في وجوه العابرين
وفي مقاعد القطارات
وفي رائحة المطر
وفي كل امرأة كان يشبه عطرها شيئا من غيابك ؟

فأجبتني : وهل تظن أنني نسيتك ؟
لقد كنت أفتش عنك في رسائلي القديمة
وأخبئ صوتك في ذاكرتي كلما خفت أن يأخذه الزمن
وكنت حين أشتاق أغمض عينيّ وأتخيل يدك في يدي
ثم أفتحها فلا أجد سوى الوحدة تجلس إلى جواري.

يا حبيبي
كم كان الليل طويلا من دونك
وكم كان السرير واسعا
وكم كانت الوسادة باردة
وكم مرة تمنيت لو أن المسافات
تتحول إلى رمال أمشي فوقها حتى أصل إليك .

ومضينا
وكانت الواحة أمامنا قصيدة خضراء تنام على كتف الصحراء النخيل فيها يرفع سعفاته للسماء
والينابيع الصغيرة تغني بين الحجارة
والقمر يسكب فضته على الماء والرمال .

كانت الريح باردة
تجري بين النخيل كأنها عتاب قديم
وكانت النجوم قريبة حتى خيل إلينا
أننا لو رفعنا أيدينا لامست أصابعنا أسرار السماء.

نصبت لنا خيمة على مقربة من الماء
وأشعلت نارا صغيرة تقاوم برد المساء
وجلست أنت قبالتي تلفين كتفيك بوشاحك
وتبتسمين كلما تطاير شرر الحطب نحو السماء .

قلت لك : ما أبرد هذه الليلة !
فقلت : بل هي دافئة ما دمت هنا .

فضحكت من قلبي
وألقيت إليك بغطاء الصوف
فقلت : لا أريد غطاء وحده
أريد أن أستعيد كل ما سلبته المسافات مني .

اقتربت منك
وجلست إلى جوارك
وأخذت يديك بين كفي
أدفئهما بأنفاسي
وأمرر إبهامي برفق على أصابعك
التي طالما تخيلتها في ليالي الغياب.

تأملتك طويلا
كأنني أقرأ للمرة الأولى
كتابا حفظت عنوانه ولم أستطع يوما أن ألمس صفحاته .

كان وجهك مضاء بالنار
وعيناك تلمعان بذلك البريق الذي أعرفه
لكنني وجدتك أجمل مما تركتك
أو لعل الشوق كان يضيف إلى جمالك ما لا تراه المرايا .

قلت لك : دعيني أتأملك قليلا
فأنا أخشى أن يسرق النوم هذه اللحظات
وأن يأتي الصباح قبل أن أشبع من عينيك .

فأطرقت خجلا
ثم رفعت عينيك إليّ وقلت :
وهل يشبع العاشق من عيني حبيبته ؟

قلت : طبعا لا
ولكنني أريد أن أتعلم كيف أعيش قربك دون أن أخاف الفراق.

وحين اشتد البرد
دخلنا الخيمة
وكانت الريح تحرك أطرافها برفق
كأن الصحراء تحاول أن تعرف
سر هذين القلبين اللذين احتميا في جوفها .

فرشنا الغطاء
ووضعنا قربنا قنديلا صغيرا
وظل صوت الماء يأتينا من بعيد
مختلطا بحفيف النخيل وصفير الريح.

جلست إلى جواري
وقد ضممت يديك إلى صدري
فقلت : أتعلمين ما الذي يؤلمني ؟

قلت : ماذا يا حبيبي ؟

قلت : أنني أملك هذه اللحظة
لكنني لا أملك الزمن
وأنني أخاف أن أغمض عيني فأجد الصباح قد جاء
وأنني سأضطر إلى الرحيل قبل أن أقول لك
كل ما ادخرته لك من كلام .

فوضعت يدك على شفتي
وقلت : لا تقل شيئا عن الرحيل
لقد تعبنا من الوداع
دعنا الليلة نعيش كما لو أن العالم قد نسي الطريق إلينا .

ثم أسندت رأسك إلى كتفي
وأخذت أصابعك تعبث بأصابعي في هدوء وتحدثنا
تحدثنا عن الأيام التي ضاعت منا
عن الرسائل التي كتبناها ولم نرسلها
عن الأغاني التي بكينا عند سماعها
عن الأماكن التي زرناها وكان ينقصها وجود الآخر .

أخبرتني عن ليلة مرضت فيها ولم تجدي يدا تمسح جبينك وأخبرتك عن ليلة ظننت فيها أنني نسيتك
فوجدت اسمك ينهض في قلبي كجندي يرفض الاستسلام .

ضحكت حين رويت لك
كيف كنت أختلق الأعذار
لأمر بالأماكن التي تشبه الأماكن التي التقينا فيها
فضحكت أنت أيضا
ثم صمتنا فجأة
لأن بعض الذكريات لا تحتمل الضحك طويلا .

مددت يدي وأبعدت خصلة من شعرك عن وجهك
وتأملتك في صمت
ثم قبّلت جبينك قبلة طويلة
كأنني أعتذر بها عن كل لحظة غبت فيها عنك .

أغمضت عينيك
واستندت إلى صدري
وكان في سكونك ما يجعلني أشعر أنني
عدت أخيرا إلى بيتي الأول.

يا حبيبتي
ما أضيق العالم حين نفتقد من نحب
وما أوسعه حين يصبح كتف واحد وطنا كاملا !

وبقي الليل يمضي بطيئا
والنار تخبو شيئا فشيئا
والبرد يشتد خلف جدران الخيمة
لكننا كنا نقترب من الدفء
كلما تذكرنا كم انتظرنا هذه اللحظة.

كنت أرفع الغطاء عن كتفيك كلما انزلق
فتبتسمين
وأضمك إلى جانبي كي لا يتسلل البرد إليك
فتقولين هامسة :
هكذا تخيلتك في كل ليالي وحدتي
قريبا مني
تخاف علي من البرد كما تخاف من حزني .

فأجيبك : وأنا تخيلتك في كل صباح
توقظين في قلبي ما ظننته مات
وتقولين لي : لا تخف يا حبيبي
ما زال في العمر متسع لحب جديد.

ثم سكتنا
وكان الصمت بيننا أجمل من كل القصائد
لأن الكلمات التي قلناها طوال سنوات الفراق
كانت تبحث عن هذه اللحظة
وحين وجدتها لم تعد بحاجة إلى الكلام .

وضعت رأسك على صدري
فأحطت كتفيك بذراعي
وأصغيت إلى أنفاسك وهي تهدأ شيئا فشيئا
حتى صار إيقاعها أغنية خافتة ترافق نبض قلبي.

وفي الخارج كان القمر يحرس الواحة
وكانت النخيل تنحني للريح
وكانت النجوم تتساقط في عيني كلما نظرت إليك .

لم أنم طويلا
كنت أخشى أن تفوتني لحظة واحدة من قربك
فأراقب وجهك في ضوء المصباح
وأتأمل ملامحك التي حفظتها في الذاكرة
حتى كادت الذاكرة تنسى الفرق بين الحلم والحقيقة.

وحين تحركت في نومك
شددت ذراعي حولك برفق
فابتسمت دون أن تفتحي عينيك
وهمست باسمك كأنني أخشى أن يسمعه الفراق
فيعود ليأخذك مني.

عندها أدركت أن الحب ليس أن نقول
إننا لا نستطيع العيش من دون بعضنا
بل أن نجد أنفسنا في أبسط الأشياء
في يد تبحث عن يد
وفي كتف يمنح كتفا الأمان
وفي قلب يتوقف عن الخوف
لأن قلبا آخر ينبض إلى جواره.

وقبيل الفجر
تسلل خيط من الضوء إلى باب الخيمة
وكانت الواحة تستيقظ ببطء
وتنفض عن سعفها بقايا الليل البارد .

فتحت عينيك
ونظرت إليّ طويلا ثم سألتني بصوت ناعس :
هل انتهت الليلة ؟

قلت : انتهت ساعاتها
لكنها لم تنته في قلبي
فبعض الليالي لا يقيسها الزمن
بل ما تعيده إلى أرواحنا بعد طول غياب .

ابتسمت
وأخفيت وجهك في صدري
وقلت : ليتنا نستطيع أن نبقى هنا
بعيدا عن كل شيء حيث لا يعرفنا أحد
ولا يطالبنا العالم بشيء
ولا يفصل بيننا سوى المسافة الصغيرة بين قلبين متحابين.

قلت لك : سنرحل يوما عن هذه الواحة
لكنني لن أرحل عنك كما رحلت من قبل
سأحمل هذه الليلة معي
كلما اشتد البرد وكلما ضاقت بي المدن
وكلما شعرت أن العالم صار أكبر من قدرتي على احتماله .

سأتذكر خيمتنا الدافئة
والنار الصغيرة
ويديك بين كفي
ورأسك على صدري
وسأعرف أن في هذا العالم مكانا واحدا
على الأقل شعرت فيه أنني لست غريبا .

ثم قبلت جبينك
ونهضنا نستقبل الصباح
وكانت الشمس تطلع من وراء كثبان الرمال
كأنها تبارك عودة عاشقين تأخرا كثيرا عن موعدهما .

يا حبيبتي الجميلة
لقد جئنا إلى الواحة لنقضي ليلة واحدة
لكننا تركنا فيها أعواما من الوحدة
ودفنا تحت رمالها كل خوف من الغد
وأشعلنا في قلب الصحراء نارا صغيرة
ستظل متقدة في ذاكرتنا مهما ابتعدت بنا الطرق.

ومنذ تلك الليلة
كلما سألتني : أين وجدت الحب ؟
أقول : لم أجده في مدينة
ولا في كتاب
ولا في قصيدة كتبتها ثم صفقت لها النساء

وجدته في واحة بعيدة
في خيمة قاومت البرد
وفي امرأة حين وضعت رأسها على صدري
شعرت للمرة الأولى أن الطريق انتهى
وأن قلبي بعد كل تلك الرحلات
قد وصل أخيرا
إلى قلبك .

محمد دعدي

شاعر جزائري

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى