د. هالة الجزار تكتب .. ثقافة الحوار عبر البيئات الرقمية

ضرورة تربوية في عصر الاتصال المفتوح

 

في زمنٍ باتت فيه الشاشات نوافذ مفتوحة على العالم، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي وقاعات التعلم الافتراضي ساحاتٍ يومية للتفاعل الإنساني، لم يعد الحوار مجرد مهارة اجتماعية تقليدية، بل غدا ثقافةً رقمية متكاملة تحدد شكل العلاقات الإنسانية ومستقبل المجتمعات. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة الحوار عبر البيئات الرقمية بوصفها إحدى القضايا التربوية المعاصرة التي تستحق اهتمام المؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية على حد سواء.

لقد أحدث التحول الرقمي ثورة غير مسبوقة في أنماط التواصل بين الأفراد؛ فوفقاً لتقرير Digital 2026 الصادر عن منصة “DataReportal”، تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في العالم حاجز 5.6 مليارات مستخدم، بما يمثل نحو 68% من سكان العالم، بينما بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 5.2 مليارات مستخدم، بمتوسط استخدام يومي يقترب من ساعتين ونصف الساعة.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد انتشار تقني، بل تشير إلى انتقال جزء كبير من حياة الإنسان الفكرية والاجتماعية والتربوية إلى الفضاء الرقمي، حيث تتشكل الآراء، وتُبنى الاتجاهات، وتُخاض النقاشات، وتُصنع التأثيرات.

غير أن هذا الاتساع الهائل في فضاءات التواصل لم يصاحبه دائماً نمو مماثل في آداب الحوار ومهاراته. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Pew Research Center أن ما يقارب 64% من المستخدمين يرون أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت بيئات أكثر عدائية واستقطاباً مقارنة بالسنوات السابقة، فيما أشار عدد كبير من المشاركين إلى تعرضهم أو مشاهدتهم لأنماط من التنمر الرقمي أو الخطاب المسيء أثناء النقاشات الإلكترونية.

ومن منظور تربوي، فإن الحوار الرقمي ليس مجرد تبادل للرسائل أو التعليقات، وإنما هو ممارسة أخلاقية وفكرية تقوم على احترام الآخر، والإصغاء الواعي، وتقبّل الاختلاف، والاحتكام إلى الأدلة والبراهين، والابتعاد عن التحيز والإقصاء والتجريح الشخصي. فالثقافة الرقمية الحقيقية لا تُقاس بقدرة الفرد على استخدام التطبيقات والأجهزة، بل بقدرته على توظيفها في تواصل إنساني راقٍ ومسؤول.

لقد كشفت تجربة التعليم الإلكتروني التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة عن أهمية هذه الثقافة. فقد انتقلت ملايين الحوارات الصفية إلى المنصات الافتراضية، وأصبح الطالب مطالباً بإبداء رأيه، ومناقشة زملائه، والتفاعل مع معلميه عبر بيئات رقمية تتطلب قدراً كبيراً من الانضباط الذاتي والوعي الأخلاقي.

وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى أن تنمية مهارات المواطنة الرقمية، ومن ضمنها الحوار المسؤول عبر الإنترنت، أصبحت من الأولويات الأساسية لإعداد المتعلمين للحياة والعمل في القرن الحادي والعشرين. فالمجتمعات الحديثة بحاجة إلى أفراد يمتلكون القدرة على الاختلاف دون خصومة، والنقد دون إساءة، والإقناع دون تعصب.

ولعل أبرز التحديات التي تواجه ثقافة الحوار الرقمي تتمثل في سرعة تداول المعلومات دون تحقق، وانتشار الأخبار المضللة، وهيمنة ردود الفعل الانفعالية، إضافة إلى ما يعرف بـ”فقاعات الرأي” التي تجعل الأفراد أكثر ميلاً لسماع الأصوات المشابهة لهم ورفض الآراء المخالفة.

وفي هذا السياق، تتحمل المؤسسات التربوية مسؤولية جوهرية في إعداد جيل قادر على ممارسة الحوار الرقمي الواعي، وذلك من خلال دمج مهارات التواصل الإلكتروني وأخلاقيات النقاش في المناهج الدراسية، وتدريب المعلمين على إدارة الحوارات الافتراضية، وتشجيع الطلبة على المشاركة في مناقشات قائمة على التفكير الناقد واحترام التنوع الفكري والثقافي.

 

كما أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في بناء هذه الثقافة؛ إذ يتعلم الأبناء من خلال القدوة الأسرية معنى الإصغاء واحترام الرأي الآخر وضبط الانفعالات، وهي قيم تنتقل لاحقاً إلى سلوكهم داخل البيئات الرقمية.

إن بناء ثقافة الحوار عبر البيئات الرقمية لم يعد ترفاً تربوياً أو خياراً إضافياً، بل أصبح ضرورة حضارية لحماية النسيج الاجتماعي وتعزيز التماسك المجتمعي في عالم تتقارب فيه المسافات وتتباعد فيه أحياناً القلوب والعقول. فالحوار الراقي لا يختفي خلف الشاشات، بل يزداد أهمية في ظلها، لأنه الضامن الحقيقي لتحويل التكنولوجيا من أداة للصراع والانقسام إلى جسر للتفاهم والتعاون وبناء المعرفة.

لم تعد البيئات الرقمية فضاءات هامشية في حياة الإنسان المعاصر، بل أصبحت الساحة الرئيسة للحوار والتفاعل وتشكيل الرأي العام. وتشير أحدث التقارير الرقمية العالمية إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم تجاوز 6.1 مليارات مستخدم، أي ما يقارب 74% من سكان العالم، بينما بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 5.79 مليارات مستخدم، بما يعادل قرابة 70% من سكان العالم، مع إضافة ما يقارب 294 مليون مستخدم جديد خلال عام واحد فقط. وتشير البيانات كذلك إلى أن المستخدم العادي يقضي ما بين ساعتين و20 دقيقة إلى ساعتين ونصف يومياً على منصات التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، فإن اتساع مساحات الحوار الرقمي لم يكن دائماً مرادفاً لجودة الحوار؛ إذ أظهرت دراسات دولية أن 41% من البالغين تعرضوا لشكل من أشكال الإساءة أو التحرش الإلكتروني، فيما تعرض 25% منهم لأشكال أكثر حدة من المضايقات الرقمية، مثل التهديد أو التشهير أو المطاردة الإلكترونية. كما يرى معظم المستخدمين أن الخطاب الرقمي بات أكثر استقطاباً وحدّة مما كان عليه في السابق.

وتتنوع أشكال الحوار في البيئات الرقمية تبعاً لطبيعة المنصة وهدف التفاعل، ويمكن تصنيفها تربوياً إلى الأنماط الآتية:

  1. الحوار التزامني (Synchronous Dialogue): وهو الحوار الذي يتم في الوقت الحقيقي، مثل: الفصول الافتراضية المباشرة – الاجتماعات عبر تطبيقات الاتصال المرئي – غرف النقاش الصوتية.

ويمتاز بسرعة التفاعل والتغذية الراجعة الفورية، لكنه يتطلب مهارات عالية في إدارة الوقت وضبط الانفعالات واحترام أدوار المتحدثين.

  1. الحوار غير التزامني (Asynchronous Dialogue) : ويحدث دون اشتراط وجود الأطراف في الوقت نفسه، مثل:

المنتديات التعليمية – البريد الإلكتروني – التعليقات المكتوبة في المنصات التعليمية.

ومن أبرز مزاياه إتاحة الفرصة للتأمل وإعادة التفكير قبل الرد، مما يسهم في تحسين جودة الحجج وبناء التفكير الناقد.

  1. الحوار التعليمي : ويهدف إلى بناء المعرفة وتبادل الخبرات داخل البيئات التعليمية الرقمية، ويتجسد في: المناقشات الصفية الإلكترونية – مجموعات التعلم التعاوني – مراجعات الأقران للمشروعات والواجبات.

وقد أثبتت الدراسات أن هذا النوع من الحوارات يعزز التحصيل الأكاديمي، وينمي مهارات التفكير العليا لدى المتعلمين.

  1. الحوار الاجتماعي : وهو الأكثر انتشاراً عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويهدف إلى بناء العلاقات الإنسانية وتبادل الخبرات اليومية والاهتمامات المشتركة.

ورغم أهميته في تعزيز الانتماء الاجتماعي، فإنه قد يتحول إلى بيئة خصبة للاستقطاب والصراعات إذا غابت ضوابط الاحترام والمسؤولية.

  1. الحوار الجدلي أو الإقناعي: ويظهر في القضايا الفكرية والثقافية والمجتمعية، حيث يسعى كل طرف إلى عرض أدلته ومحاولة إقناع الآخرين بوجهة نظره. ويمثل هذا النمط فرصة تربوية لتعليم الطلبة مهارات: بناء الحجج المنطقية – تقييم الأدلة – احترام الرأي المخالف – التمييز بين نقد الفكرة والإساءة لصاحبها.
  2. الحوار التشاركي لبناء المعرفة : ويعد من أكثر الأنماط توافقاً مع فلسفة التعلم الحديثة، حيث يتعاون المشاركون في إنتاج معرفة جديدة، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الآراء.

ومن تطبيقاته: مشاريع الويكي الجماعية – المجتمعات المهنية الرقمية – فرق العمل البحثية عبر الإنترنت –

ورغم الإمكانات الهائلة للبيئات الرقمية، فإنها تفرض تحديات تربوية معقدة، من أبرزها:

  • انتشار المعلومات المضللة والأخبار الزائفة.
  • اختزال النقاشات المعقدة في ردود انفعالية قصيرة.
  • ثقافة “إلغاء الآخر” ورفض الاختلاف.
  • التنمر والتحرش الإلكتروني.
  • هيمنة الخوارزميات التي تعزز ما يعرف بـ”فقاعات الرأي”، حيث يتعرض الفرد بصورة أكبر للآراء المتوافقة مع توجهاته فقط.

مهارات للحوار الرقمي ينبغي تنميتها لدى الطلبة

أصبحت التربية الحديثة مطالبة بتعزيز مجموعة من الكفايات الأساسية، من أهمها:

  • الإصغاء الرقمي الفعال.
  • التحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها.
  • استخدام لغة مهذبة ومحترمة.
  • إدارة الخلاف بصورة بناءة.
  • التفكير الناقد وتحليل الحجج.
  • الوعي بالهوية الرقمية وآثار ما ينشره الفرد.
  • التعاطف الرقمي وفهم مشاعر الآخرين رغم غياب التواصل الوجاهي.

نحو مواطنة رقمية راشدة

إن نجاح المجتمعات في توظيف التكنولوجيا لا يقاس بعدد أجهزتها الذكية أو سرعة اتصالها بالإنترنت، وإنما بقدرتها على بناء إنسان رقمي يمتلك الوعي والمسؤولية والأخلاق. فثقافة الحوار عبر البيئات الرقمية تمثل اليوم إحدى الركائز الأساسية للمواطنة الرقمية، لأنها تؤسس لجيل قادر على الاختلاف دون خصومة، والنقد دون تجريح، والتعبير عن الرأي دون انتهاك كرامة الآخرين.

إننا بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا أن الكلمة المكتوبة على الشاشة تحمل من الأثر ما تحمله الكلمة المنطوقة وجهاً لوجه، وأن الاحترام قيمة لا تتغير بتغير الوسيط، وأن الحوار الراقي هو الطريق الأقصر نحو مجتمع رقمي أكثر إنسانية وتسامحاً.

وفي النهاية، فإن مستقبل المجتمعات الرقمية لن تحدده سرعة الاتصال أو تطور التطبيقات بقدر ما ستحدده جودة الإنسان القادر على إدارة الاختلاف بوعي، وممارسة الحرية بمسؤولية، والتعبير عن رأيه بأدب واحترام. فحين نُحسن تعليم أبنائنا ثقافة الحوار الرقمي، فإننا لا نُعدّهم لاجتياز امتحانات الدراسة فحسب، بل نُعدّهم لصناعة مستقبل أكثر إنسانية واتزاناً.

 

د. هالة حسن بن سعد الجزار

أستاذ أصول التربية المساعد بكلية التربية – جامعة العاصمة

 

 

 

 

 

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى