د علاء نعيم الغول يكتب .. إضاءة في قصيدة (مرمرٌ وحرير) للشاعرة وفاء منلا

حين نقرأُ هذه القصيدة أكثر من مرة للوهلةِ الأولى نتخيلُ رجلًا شغوفًا أو عاشقًا متيمًا يصفُ امرأةً كاملةَ الأنوثةِ ويعرض نزيف احساساته تجاهها وهذا أمرٌ مألوفٌ وشائعٌ حتى في الشعر القادم إلينا من ثقافاتٍ مختلفة ولكن لو دققنا النظر مليا في المقطوعاتِ الست التي تشكل النص نكتشفُ أنها مناجاةٌ مباشرةٌ لامرأةٍ تعطي نفسَها كامل الحريةِ والتصرفِ في الحديثِ عن جمالها وفتنتها بكل ثقةٍ واطمئنانٍ فتبدأُ بالإعترافِ أنها كسرتِ المألوفَ والسائدَ في أعرافِ الغزلِ والتجسيدِ المادي لأنوثةٍ طاغيةٍ مستخدمةً التشابكَ البصري بين اللونِ والضوءِ في مزيجٍ من الصورِ التي قد تكونُ عاديةً في دلالاتها ولكنها تقدم خليطًا من الضوء والعاج والليل والثوب الأزرق والبياض المُتَضَمَّنِ في الشفافيةِ الكلية للمشهدِ والمعروضِ بآليةٍ تتركُ العقلَ يفرزُ إحساساتٍ ومشاعرَ تسيطرُ على الحس العام للقصيدةِ ككلْ. وهذا ينقلنا بطبيعة الحالِ إلى اللوحةِ الثانيةِ التي تتجلى فيها الفلسفةُ الخاصةُ بهذه المرأةِ المدركةِ لمعنى الجمالِ ومدى تأثيره على النفسِ فنراها تتخذُ من هذا الجسدِ المنحوتِ ليس بابًا ومدخلًا للشهوةِ الظاهرةِ بل معبرًا واسعًا للروحانيةِ الصافيةِ التي تُقِرُّ بأنَّ الخطيئةَ ليست في الإشتهاءِ والشوق َ سلمٌ للتجلي والتواجدِ في محرابِ الجمالِ والأنوثةِ وهذه الفلسفةُ ليست مستحدثة فلطالما عبر الفلاسفةُ بمختلفِ عقائدهم عن العلاقةِ بين الروح والجسد وتستمر في توظيفِ الصورةِ الحسيةِ بايحاءاتٍ مادية تشكلها الحالةُ الواضحةُ في مشهدٍ عشقيٍّ يبدو صارخًا جدا لكنه لا يعدو أن يكونَ وصفًا حقيقيًا لما يقوم به بنو البشر جميعا لاستدعاء الشهوةِ والقبول مستخدمين الملمس والرائحةَ والاستسلام على حرير ناعم ويتغلغل فيهم عطر يجعل الوسائد طافحة بالسهر والوشوشات فتشتعل القبلات جمرا على جسدٍ تهيأ لأن يكون معراجًا للتوحدِ الكامل بين الشهوانية والروحانية ثم تستمر القصيدةُ في كشف المزيدِ من الفلسفةِ الفردية فيما يتعلق بالكبرياء والكرامة والإحساس بالذات والقيمة وأنها لا يتم التهاون فيها والتنازل عنها مقابل حالة عشقٍ عابرة وهذا بدوره يضع القصيدة في إطار مختلف يجعل من الانوثة دافعا للبحث عن الانسجام بين القيمةِ وبعدها المادي وبين المرأة وما تجسده من تسامي روحاني وفلسفة أخلاقية قائمة بذاتها.
هذه إضاءة سريعة غير متعمقة ولا تغطي كل ما تحمله القصيدة من معان وجمال فقط تقدم إعجابا بقلم الشاعرة وفاء منلا آملا أن تجد من يدرس شعرها وينصفها ويعطي قصائدها حقها من الإهتمام.

القصيدة كاملة
مرمرٌ وحرير ..

أراكِ تتجاوزينَ المألوفَ
وتطلّينَ من شرفةٍ من ضياء
وثوبُكِ الأزرقُ يسرّبُ للريحِ
سرَّ الرخام
وشعرُكِ الليليُّ ينسابُ
على خدِّكِ المغمضِ في الوجد

يا منحوتةَ الجسد
يا من تصلّينَ
في محرابِ الروحِ بجوارحي
اللهفةُ ليست خطيئة
والشوقُ حين يعبرُ عروقي
يصيرُ تجلّياً
والرغبةُ فيكِ
لغةٌ لا يعرفُها إلا العاشقون
على ملاءاتِ الحرير
حيثُ الوسائدُ تحفظُ عطرَكِ
أقبّلُ الرخامَ فيستيقظُ فيهِ الجمر
وأتنفّسُ قربَكِ
فتضيقُ الغرفةُ عن هذا الخَريف

يا امرأةً تشبهُ القصيدةَ الحرّة
لا تُشبهينَ أحداً
كأنكِ ولادةُ هذا الزمان
تعلّمينني أن العشقَ
أن أذوبَ فيكِ
دون أن أفقدَ كبريائي
وأن أشتعلَ
دون أن ينطفئَ حيائي

الإطارُ لا يحبسُ ضوءكِ
وأنتِ لا تسكنينَ اللوحة
أنتِ اللوحةُ حين تصيرُ روحاً
وأنا أمامكِ
أخلعُ عن قلبي ضجيجَ العالم

وفي ليلةِ الصفاء ..؟
حين ينامُ الضوءُ على الرخام
أقتربُ منكِ
كأنني أقتربُ من سرٍّ محرّمٍ على الكلام
تشتعلُ فيَّ أنوثتُكِ
ولا أقولُ شيئاً
فبعضُ الرغباتِ
أبلغُ حين تُقالُ بنبضٍ خافت
أضمُّ المسافةَ بيننا
فيضيقُ ايلول
ويكبرُ الشغفُ
حتى يصيرَ همسةً على حافةِ الروح

وحين يبلغُ العشقُ ذروتَهُ
لا يبقى مني
إلا امرأةٌ من نارٍ وحرير
تشتهي…
وتصونُ سرَّ اشتهائها
تذوبُ…
ولا تفقدُ كبرياءها
ثم أعودُ إليكِ
كأنني من صلاةٍ طويلة
وفي عينيكِ
أجدُ آخرَ ما أريد
أن أكونَ لكِ
شغفاً لا يُطفئهُ الامتلاء
وناراً يحرسُها الحياء
وأنثى إذا قالتْ : أحبُّكَ
كان جسدُها كلُّه قصيدةً…
وسكوتُها
أشدَّ اشتعالاً من الكلام

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى